احمد وائل عمر - القاهرة في الأربعاء 2 سبتمبر 2026 01:45 مساءً - أكد الدكتور نظير عياد، مفتي الديار المصرية، أن رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي للمؤتمر تعكس اهتمام القيادة السياسية بقضايا الأسرة المصرية، مشيرًا إلى أن الدولة أطلقت عددًا من المبادرات والمشروعات الهادفة إلى دعم الأسرة، من بينها المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية والصندوق التكافلي لدعم الأسرة، بما يسهم في تحقيق الاستقرار المعيشي وتعزيز التأهيل المجتمعي والنفسي والمادي للمقبلين على الزواج.
وأوضح مفتي الجمهورية، خلال كلمته في المؤتمر الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم بعنوان " التحديات الاسريه في ظل التحولات الكبرى مقاربه افتائيه لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها" والذي عقد اليوم ويختتم اعماله غدا تحت رعايه الرئيس عبد الفتاح السيسي -
أن هذه الجهود تمثل تناغمًا بين مقاصد الشريعة وسياسات الدولة الرشيدة التي أدركت حجم التحديات التي تواجه مؤسسة الأسرة في المرحلة الراهنة.
وأضاف أن الاحتفال الحقيقي بمولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يقتصر على المظاهر، وإنما يتحقق بتحويل هديه إلى سلوك عملي داخل البيوت، مستشهدًا بسيرته في التعامل مع أسرته، حيث كان خير الناس لأهله، وأقام بيته على المودة والرحمة وحسن العشرة، وضرب أروع الأمثلة في الأبوة الحانية والتربية القائمة على الرفق والحزم دون قسوة.
وأشار عياد إلى أن عنوان المؤتمر يقوم على أربعة محاور رئيسية تتمثل في التحولات الكبرى، وحماية الأسرة، واستشراف مستقبلها، وصيانة الهوية، مؤكدًا أن اجتماع هذه المحددات في قضية واحدة يحمّل الجميع مسؤولية مضاعفة في ظل مرحلة تاريخية تتزاحم فيها المشروعات المجتمعية وتتعدد المرجعيات المؤثرة في تشكيل وعي الإنسان.
ولفت إلى أن مؤسسة الأسرة تواجه تحديات وجودية غير مسبوقة، موضحًا أن الفتوى في العصور السابقة كانت تتعامل غالبًا مع نوازل فردية، بينما تواجه اليوم قضايا فكرية ترتبط بثوابت الفطرة الإنسانية وبالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
وأوضح أن الانفتاح الرقمي وتوسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي أسهما في إعادة تشكيل وعي الأجيال، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات، بل أصبحت في بعض الأحيان مؤثرًا مباشرًا في أنماط التفكير والسلوك، بما قد يؤدي إلى تعزيز الفردانية وعزل الإنسان داخل فضاءات افتراضية تؤثر في اختياراته وعلاقاته.
وأضاف المفتي أن بعض المنصات الرقمية انتزعت مساحات كانت تقوم بها الأسرة في التربية والتوجيه، وأضعفت الحوار المباشر بين أفرادها، مع ظهور ما وصفه بـ"الرفقاء الرقميين" الذين قد يحلون محل العلاقات الإنسانية الطبيعية.
وحذر مفتي الجمهورية من امتداد هذه التحديات إلى فضاءات أكثر خفاء، مثل "الدارك ويب"، وما قد يتضمنه من محتويات تهدد أمن الأسرة وتؤثر في وعي الأبناء بعيدًا عن الرقابة المجتمعية.
وأكد أن السيولة المعرفية الحالية أدت إلى تراجع الحدود بين الحقيقة والزيف، والعلم والوهم، حتى أصبح المحتوى الأكثر انتشارًا قادرًا على التأثير في الوعي أكثر من المحتوى الأكثر صدقًا ورشدًا.
وأشار إلى أن العالم يشهد صراعًا بين منظومات قيم متعددة، محذرًا من مسارات قد تؤدي إلى ما وصفه بـ"مثلث التفكك"، القائم على القطيعة مع المرجعية الإيمانية، وإضعاف الانتماء الوطني، وفصل السلوك عن الضوابط الأخلاقية.
وأضاف أن بعض الخطابات المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تحويل العلاقة بين الرجل والمرأة إلى صراع قائم على منطق الانتصار والخسارة، بدلًا من مفهوم السكن والمودة والرحمة، كما أسهمت في تشويه مفاهيم أسرية راسخة مثل القوامة التي تقوم على الرعاية والمسؤولية.
وأكد عياد أن دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تنطلقان من رؤية تعتبر الفتوى مسؤولية تتجاوز مجرد الإجابة عن الأسئلة، لتصبح أداة لإدارة الحياة وفق مقاصد الشريعة.
وشدد على ضرورة انتقال العمل الإفتائي إلى مرحلة "الفقه الاستباقي" الذي يعالج أسباب المشكلات قبل وقوعها، ويحصّن العقول قبل مواجهة نتائج الأزمات.
وحدد مفتي الجمهورية أربعة مرتكزات لتطوير العمل الإفتائي في قضايا الأسرة:
أولًا: تفعيل الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة، من خلال تحقيق التوازن بين ثوابت الدين ومتغيرات العصر، داعيًا إلى إدراج فقه مقاصد الأسرة ضمن المناهج التعليمية لإعداد جيل من المفتين القادرين على إصدار فتاوى رشيدة.
ثانيًا: مواجهة تحديات الوعي الرقمي، عبر إنتاج محتوى علمي موثوق بلغات متعددة يشرح المفاهيم الأسرية بأسلوب يتناسب مع طبيعة العصر الرقمي، ليكون مرجعًا حاضرًا أمام المستخدمين ومحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ثالثًا: تصحيح المفاهيم الأسرية الخاطئة، ومواجهة الخطابات المتشددة أو الهدامة، مع تعزيز برامج التوعية والإرشاد قبل الزواج وبعده، ودعم الحوار داخل الأسرة بشأن الاستخدام الآمن للتكنولوجيا.
رابعًا: إطلاق شراكات مؤسسية متعددة التخصصات تجمع علماء الشريعة وخبراء الاجتماع والنفس والتقنية والإعلام والاقتصاد والقانون، للتعامل مع قضايا الأسرة المعاصرة باعتبارها قضايا مركبة لا يمكن حلها برؤية أحادية.
واختتم مفتي الجمهورية بالتأكيد على ضرورة الارتقاء بالعمل الإفتائي إلى آفاق أوسع تستشرف المستقبل، عبر التكامل بين الاجتهاد الفقهي وعلوم الطب والنفس والاجتماع والتقنية والإعلام والقانون، بهدف تقديم حماية استباقية للأسرة وعلاج جذري لأسباب التحديات التي تواجهها، مع الحفاظ على هوية منفتحة وقادرة على التفاعل مع العصر.
