احمد وائل عمر - القاهرة في الخميس 3 سبتمبر 2026 03:37 مساءً -
د. عبد الناصر موسى أبو البصل:
- التحولات التقنية اخترقت الأمن الأسري.. والفتوى مطالَبة بدور إرشادي متكامل
- من الخرس الزوجي إلى فجوة الأجيال.. تحديات تقنية جديدة تواجه الأسرة المعاصرة
د. ياسر السعداوي:
- التأهيل المهني والتطبيقي للمفتي ضرورة لإتقان الفتوى في القضايا الأسرية
- بناء عقلية إفتائية وسطية.. هدف رئيسي لإعداد المفتي المعاصر
د. إسلام عبد العاطي عُلَيَّان:
- إدراج مادة «المدارس النفسية والاجتماعية» ضمن برامج تأهيل المفتين والمفتيات أمر ضروري
- الفتوى صناعة إنسانية تراعي الأبعاد النفسية والعاطفية للمستفتي خاصة في قضايا الأسرة
د. مصطفى الأقفهصي:
- الفتوى المؤسسية لم تعد تقتصر على معالجة النوازل الفردية.. وتمتد إلى صناعة سياسات أسرية داعمة للاستقرار والتماسك
- توظيف النصوص الشرعية يسهم في تأسيس بيئة أسرية مستقرة في مختلف مراحلها
واصل المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي تنظمه دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، برعاية كريمة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، أعماله لليوم الثاني على التوالي، وسط حضور دولي واسع من كبار علماء الشريعة والمتخصصين من مختلف دول العالم، وذلك تحت عنوان: «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
وعلى هامش فعاليات المؤتمر، انطلقت الجلسة العلمية الرابعة تحت عنوان: «دور الفتوى المؤسسية في معالجة الأزمات الأسرية»، برئاسة الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني، وكيل الأزهر السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، الذي أشاد بما يطرحه المؤتمر من قضية تُعد من أهم قضايا الساعة، باعتبارها من القضايا المشتركة بين مختلف الدول، مشيرًا إلى أن قضايا الأسرة تُعد من أكثر القضايا التي تناولها القرآن الكريم، غير أن العولمة والانفتاح، وما ترتب عليهما من اختلال في القيم والتقاليد الاجتماعية، والابتعاد عن الأحكام الشرعية، كل ذلك أسهم في بروز العديد من المشكلات التي تعصف بالأسرة، ومن بينها ارتفاع نسب الطلاق.
وأوضح الدكتور الضويني أن أخطر ما يترتب على الطلاق لا يقتصر على انفصال الرجل والمرأة فحسب، وإنما يمتد إلى ما يتبع ذلك من تمزق يلحق بالأبناء، وانعكاساته على علاقاتهم الاجتماعية والنفسية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل طالت تداعياته أفراد الأسرة، فامتدت إلى علاقة الأخ بأخيه، وعلاقة ذوي القربى بعضهم ببعض، حتى أصبحنا نرى جرائم كثيرة لم تقف عند حد الانفصال، بل وصلت إلى حد القتل، ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر، حيث أدركت دار الإفتاء المصرية هذا الواقع، وأصبحت تنظر إلى تبعات هذه التحديات ودور مؤسسات الإفتاء في مواجهتها؛ فلم تقف الفتاوى عند حدود الحكم بمدى وقوع الطلاق من عدمه، بل امتدت إلى بحث الأسباب الكامنة وسبل مواجهتها.
وفي إطار أعمال الجلسة، عرض الدكتور عبد الناصر موسى أبو البصل، رئيس الهيئة الإدارية لرابطة علماء الأردن، بحثًا بعنوان: «الفتوى المؤسسية والتحديات التي تواجه الأسرة المعاصرة»، موضحًا خلاله أن تحديات الأسرة اليوم تختلف عن تحديات الأمس في ظل التسارع التقني الكبير الذي يمثل نعمة وله فوائد كبيرة، إلا أن الإحصاءات المجردة تنذر بخطر متسارع جراء تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على المجتمعات.
وأشار إلى أن الأسرة تعرضت بفعل هذا التقدم إلى تغيرات في المضامين والمفاهيم، انعكست على أنماط حياة الأبناء والزوجين، واخترقت حاجز الأمن الأسري، وهو ما أفرز مجموعة كبيرة من المشكلات، من بينها الخرس الزوجي، والجفاف العاطفي، والفجوة بين الأبناء والآباء، والفجوة بين الأقارب، واختراق الخصوصيات وأسرار البيوت، وإدمان الإنترنت، والهوس الاستهلاكي والتسويقي، فضلًا عن خطورة أن يصبح الذكاء الاصطناعي مستشارًا للزوجة والأبناء.
وأوضح الدكتور أبو البصل أن الفتوى مؤسسة مجاهدة، ولم تعد تؤدي دورها كما كانت سابقًا، إذ تمثل ملجأً يطمئن إليه الناس ويثقون به بحكم فطرتهم السليمة وتدينهم، ومن ثم، فإن دورها اليوم يتمثل في توجيه المجتمعات وإرشادهم أسريًّا وعقديًّا وثقافيًّا وتربويًّا وتقنيًّا، مؤكدًا أن الفتوى ليست مجرد إبلاغ بالحكم، وإنما ينبغي أن تكون فتوى مرشدة في مختلف مناحي الحياة.
وأشار في نهاية عرضه إلى أن الحل يكمن في العمل التشاركي وليس الفردي، مقترحًا تدريب الأطباء النفسيين والمتخصصين في علم الاجتماع والإرشاد على القواعد والمبادئ الشرعية، وكذلك تدريب المتخصصين الشرعيين على المبادئ النفسية والاجتماعية التخصصية.
من جانبه، قدم الدكتور ياسر محمد محمد عبد الوهاب السعداوي، مدرس أصول الفقه بجامعة الأزهر، بحثًا بعنوان: «إعداد المفتي المعاصر لقضايا الأسرة. البعد المهني والتطبيقي»، تناول خلاله أهمية إعداد المفتي المعاصر للتعامل مع قضايا الأسرة، في ظل ما يشهده المجتمع من أزمات وتحولات اجتماعية متسارعة، وما تفرضه هذه المستجدات من ضرورة امتلاك المفتي أدوات علمية ومهنية وتطبيقية تؤهله لمعالجة القضايا الأسرية المعاصرة بكفاءة ودقة.
وأوضح الدكتور السعداوي أن إعداد المفتي لا يقتصر على تحصيل المعرفة الفقهية، وإنما يمتد إلى بناء منهجية متكاملة تمكنه من التعامل مع الوقائع المستجدة، واستنباط الأحكام من النصوص الشرعية بدقة، مع إحكام النظر في ملابسات الواقعة وسياقها، بما يحقق التوازن بين ثوابت التشريع ومتغيرات الواقع، مشيرًا إلى أن الهدف من البحث يتمثل في الإسهام في تأسيس رؤية متكاملة لإعداد المفتي المعاصر، بما يتوافق مع موضوع المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، وبما يسهم في بناء عقلية إفتائية قائمة على المنهج التشريعي الوسطي، بعيدًا عن التعصب لمذهب بعينه، وعن الإفراط أو التفريط في معالجة القضايا والنوازل.
كما تناول من خلال بحثه ما يجوز للمفتي النظر فيه من كتب الفقهاء، وما يلزمه عند المراجعة من الرجوع إلى المأخذ الأصلي عند الإفتاء، إلى جانب أثر التكوين العلمي على يد أستاذ ماهر في طريقة الفتوى، والالتزام بالقواعد والضوابط الخاصة بكل حادثة تتعلق بقضايا الأسرة.
وخلص د. ياسر السعداوي إلى أن إعداد المفتي المعاصر يمثل أداة فاعلة في التعامل مع فتاوى الواقع المعاصر ومواكبة المستجدات وما يطرأ على المجتمع من إشكاليات أثناء فهم نصوص التشريع، بما يسهم في تعزيز السلم واستقرار المجتمع والحد من النزاعات التي تنشأ في قضايا الأسرة، مؤكدًا أهمية تفعيل الفقه المعاصر المطابق للواقع، مع الالتزام بما يقتضيه الإفتاء من ثوابت وضوابط شرعية.
وفي سياق علمي آخر، قدم الدكتور إسلام عبد العاطي عُلَيَّان، مدرس التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر، بحثًا بعنوان: «المقاربة الإفتائية لقيمة الحُب وأثرها في حماية الأسرة.. فتاوى دار الإفتاء المصرية بين الواقع والمأمول»، تناول خلاله قيمة الحب باعتبارها قيمة مقاصدية ونفسية، وربطها بالمقاربة الإفتائية التطبيقية من خلال دراسة واقع فتاوى دار الإفتاء المصرية والمأمول منها، بهدف إبراز الجانب الإنساني والعاطفي في التشريع الإسلامي والفتاوى المعاصرة، ومواجهة ارتفاع نسب الطلاق والتفكك الأسري بآليات إفتائية وقائية وعلاجية ترتكز على قيمة الحب.
وأوضح الدكتور إسلام عُلَيَّان أن البحث سعى إلى رصد وتوثيق المنهج الوسطي لدار الإفتاء المصرية في معالجة القضايا الأسرية، واعتمد على المنهج الاستقرائي في تتبع واستخراج الفتاوى المتعلقة بالعلاقات الأسرية والمودة وحل النزاعات من سجلات وموقع دار الإفتاء المصرية، إلى جانب المنهج التحليلي النقدي لتفكيك هذه الفتاوى وبيان وجه الاستدلال فيها، وكيفية توظيف قيمة الحب والمودة في حماية الأسرة، مع صياغة رؤية مستقبلية لما ينبغي أن تكون عليه الفتوى الأسرية والمبادرات الإفتائية المصاحبة لها.
وبيَّن من خلال بحثه أن الفتوى ليست مجرد حكم بـ«حلال وحرام»، وإنما هي صناعة إنسانية تراعي الأبعاد النفسية والعاطفية للمستفتي، وخاصة في النطاق الأسري، مؤكدًا أن الدراسة أظهرت وعي دار الإفتاء المصرية بنقل الفتوى من دائرة «النزاع القضائي الصرف» إلى دائرة «الإصلاح والترميم النفسي والأسري».
وأوصى الدكتور إسلام بضرورة إدراج مادة «المدارس النفسية والاجتماعية» ضمن برامج تأهيل المفتين والمفتيات؛ لتمكينهم من فهم لغة العواطف واحتياجات المستفتين الأسرية، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية إفتائية قصيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تركز على «فقه المودة والرحمة والحب»، وتبسط الأحكام الفقهية في قالب عاطفي دافئ.
ومن زاوية بحثية أخرى، ناقش الدكتور مصطفى حسن أحمد الأقفهصي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، بحثًا بعنوان: «دور الفتوى المؤسسية في صناعة السياسات الأسرية الداعمة للاستقرار والتماسك.. فتاوى دار الإفتاء المصرية نموذجًا»، تناول خلاله التحولات الاجتماعية والاقتصادية والرقمية المتسارعة التي ألقت بظلالها على البناء الأسري، وما أفرزته من نوازل إفتائية جديدة، مؤكدًا أن دور الفتوى لم يعد محصورًا في تقديم حلول فردية لنوازل عارضة أو إشكالات شخصية تتعلق ببعض جوانب الأسرة، وإنما امتد إلى الفاعلية الاستراتيجية في صياغة وصناعة ما يمكن تسميته بـ«السياسات الأسرية».
وأوضح أمين الفتوى أن السياسات الأسرية تتمثل في المخططات والتدابير التنظيمية والوقائية التي تتبناها المؤسسات والهيئات لإدارة شؤون الأسرة وضبط حركتها وحماية نسيجها، مشيرًا إلى دور دار الإفتاء المصرية، بوصفها مؤسسة إفتائية عريقة ومنضبطة، في الإسهام في رسم هذه السياسات بما يضمن توافقها مع روح الشرع الشريف، ويحقق مقصد الشريعة في حفظ الكيان الأسري بمختلف مستوياته.
وتناول الدكتور الأقفهصي مدى قدرة الفتوى المؤسسية المنضبطة على صياغة وصناعة السياسات الأسرية، ومدى نجاحها في توظيف النصوص الشرعية لتأسيس بيئة أسرية مستقرة في مختلف مراحلها الحياتية، بدءًا من التأسيس والتأهيل لهذا الكيان، مرورًا بتنظيم الحياة الأسرية وإدارة الخلافات، وصولًا إلى استصحاب الفضل والمودة حتى بعد انفكاك عُرى الزوجية بالفرقة أو الوفاة، مؤكدًا إسهام فتاوى دار الإفتاء المصرية في تحويل التوجيهات الأخلاقية لمرحلة ما قبل عقد الزواج إلى سياسات وقائية وتدابير تنظيمية.
